من تعديلٍ بخطّ اليد إلى قرار تحكيمي بقيمة 100 مليون دولار أميركي: قضية «زوق» و«الجية» أمام محكمة استئناف باريس
في 26 شباط/فبراير 2013، وقّع وزير الطاقة والمياه آنذاك، جبران باسيل، باسم الدولة اللبنانية، عقدين مع ائتلافٍ مؤلَّف من شركة BWSC الدنماركية وشركة MAN Diesel & Turbo الألمانية لإنشاء وحدات توليد جديدة في «زوق» و«الجية»، بقدرةٍ إجمالية تبلغ نحو 272 ميغاواط موزَّعة على 14 محرّكًا، وبقيمةٍ تناهز 270 مليون يورو. وكانت المناقصة قد خضعت للرقابة المسبقة لديوان المحاسبة ولمجلس الوزراء.
ما الذي يُروى أنّه حصل بعد ذلك
وفقًا لمستنداتٍ وتقارير منشورة، أُدخلت تعديلاتٌ بخطّ اليد على العقدين بعد تلك المراجعة. ويُروى أنّ أخطرها أثرًا قلب ترتيب الأولوية بين المستندات التعاقدية، بحيث يغلب عرضُ المتعهّد على دفتر شروط المناقصة الصادر عن الدولة عند التعارض بينهما. وليس هذا أمرًا شكليًا؛ ففي عقودٍ بهذا الحجم، يحدّد بندُ الأولوية النصَّ الواجب التطبيق كلّما تباينت الأحكام.
ويُروى أنّ كتابًا منسوبًا إلى رئيس ديوان المحاسبة، القاضي محمد بدران، يؤكّد أنّ هذه التعديلات لم تُعرَض مجدّدًا على الديوان. وهذا يطرح سؤالًا جوهريًا: هل انتهى الأمر بالدولة إلى الالتزام بنصٍّ مغاير للنصّ الذي وافقت عليه الجهة المولجة برقابتها المسبقة؟
ولم يبقَ النزاع في إطاره النظري. فقد اعترضت وزارة المالية على التعديلات وأوقفت الدفعات، وأفادت تقارير منذ عام 2018 بأنّ ديوان المحاسبة اعترض على تعديل الشروط الأصلية، وبأنّ الوزارة طلبت إعادة التدقيق في العقد. ولجأ ائتلاف BWSC-MAN في نهاية المطاف إلى التحكيم الدولي، مطالبًا، على ما يُروى، بنحو 130 مليون دولار أميركي بسبب التأخير وعدم الدفع. ووفقًا لمعلوماتٍ نُشرت في تشرين الأول/أكتوبر 2026، أصدرت الهيئة التحكيمية قرارًا بنحو 100 مليون دولار أميركي في حقّ الدولة اللبنانية، وانتقل النزاع الآن إلى محكمة استئناف باريس. وإذا صحّت هذه الرواية، فإنّ بضعة أسطر أُضيفت إلى عقدٍ باتت تعرّض الخزينة لخسارةٍ تضاهي جزءًا كبيرًا من قيمة المشروع نفسه.
معيار الإبطال أمام محاكم باريس
تُجيز المادة 1520 (البند 5) من قانون أصول المحاكمات المدنية الفرنسي إبطالَ القرار التحكيمي الدولي متى كان الاعتراف به أو تنفيذه مخالفًا للنظام العام الدولي. وقد تبدّل عمق هذه الرقابة تبدّلًا ملحوظًا. ففي قضية Thalès ضدّ Euromissile (محكمة استئناف باريس، 18 تشرين الثاني/نوفمبر 2004)، اشترطت المحكمة أن تكون المخالفة «صارخة وفعلية وملموسة»، وامتنعت عن الفصل في مسائل معقّدة تتعلّق بعدم المشروعية لم تُطرَح قطّ أمام المحكّمين. غير أنّ هذا النهج الحدّي أفسح المجال، في قضايا الفساد وتبييض الأموال، لرقابةٍ أعمق بكثير.
ففي قضية Belokon ضدّ جمهورية قيرغيزستان (محكمة استئناف باريس، 21 شباط/فبراير 2017)، أبطلت المحكمة قرارًا تحكيميًا بعد أن أجرت تقديرها الخاص لقرائن جدّية ودقيقة ومتوافقة على تبييض الأموال، رغم أنّ الهيئة التحكيمية كانت قد ردّت هذا الادّعاء. وصدّقت محكمة التمييز الفرنسية هذا القرار في 23 آذار/مارس 2022 (رقم 17-17.981): فقاضي الإبطال لا يعيد فتح التحقيق ولا يراجع أساس النزاع، بل يقدّر الوقائع لغايةٍ وحيدة هي تحديد ما إذا كان تنفيذ القرار التحكيمي متوافقًا مع النظام العام الدولي، ويقضي بالإبطال متى ثبتت المخالفة. وفي قضية Alstom ضدّ Alexander Brothers (محكمة استئناف باريس، 28 أيار/مايو 2019، وهي دعوى تنفيذ تتعلّق بقرار تحكيمي سويسري)، رفضت المحكمة منح الصيغة التنفيذية استنادًا إلى مؤشّرات إنذار، من قبيل انعدام الدليل على خدماتٍ فعلية، وأتعابٍ غير متناسبة محتسبة على أساس نسبة مئوية. وقد نُقض هذا القرار في 29 أيلول/سبتمبر 2021 لتحريفه الأدلّة، إلّا أنّ اشتراط وجود قرائن جدّية ودقيقة ومتوافقة تأكّد في حدّ ذاته.
ثمّ جاءت قضية SORELEC ضدّ ليبيا (محكمة التمييز الفرنسية، الغرفة المدنية الأولى، 7 أيلول/سبتمبر 2022، رقم 20-22.118). فقد قضت المحكمة بأنّ احترام النظام العام الدولي الموضوعي لا يمكن أن يتوقّف على مسلك أحد الأطراف أمام المحكّمين، وبأنّ قاضي الإبطال، حين يواجه ادّعاءً بأنّ القرار التحكيمي يُضفي مفعولًا على تسويةٍ جرى الحصول عليها بالفساد، يتحقّق من هذا الادّعاء على الوجه الصحيح بفحص جميع الأدلّة المقدَّمة، سواء أكانت قد عُرضت على الهيئة التحكيمية أم لا.
ويترتّب على ذلك عدد من النتائج. فقاضي الإبطال غير مقيّد بما توصّلت إليه الهيئة التحكيمية من وقائع أو توصيفات قانونية. ويقع عبء الإثبات على الطرف الذي يتمسّك بالنظام العام، وهو هنا الدولة. أمّا المنهج فهو منهج «حزمة القرائن» (faisceau d'indices): إذ يمكن إثبات الغشّ أو الفساد من خلال مجموعة من القرائن الجدّية والدقيقة والمتوافقة بدلًا من الدليل المباشر. وما يُختبَر ليس الإدانة الجزائية لأيّ شخص، بل ما إذا كان تنفيذ القرار التحكيمي سيتيح لأحد الأطراف الإفادة من عملٍ غير مشروع.
أين قد ينجح الدفع وأين قد يخفق
لا بدّ هنا من تمييزٍ جوهري. فمخالفة القواعد اللبنانية للرقابة المسبقة، بمفردها، قد لا تكفي لإبطال القرار التحكيمي في باريس. فالقاضي الفرنسي لا يراقب التقيّد بكلّ قاعدة داخلية من قواعد الشراء العام، وقد تكون الهيئة التحكيمية عالجت المسألة بوصفها مسألة تفسيرٍ للعقد، أو صلاحية، أو قبولٍ ضمني. أمّا إذا تمكّنت الدولة من إثبات أنّ التعديل أُدخل خفيةً، أو عن طريق الغشّ أو الفساد أو التواطؤ، وأنّ القرار التحكيمي يُضفي مفعولًا قانونيًا على عقدٍ مشوبٍ على هذا النحو، فإنّ الدفع بمخالفة النظام العام الدولي يغدو جدّيًا وقويًا. ومن القرائن ذات الصلة: توقيت التعديل بالنسبة إلى التدقيق، وهويّة من صاغه ووقّع عليه بالأحرف الأولى، وما إذا كان قد حُجب عن الهيئات الرقابية، وما إذا كان قد منح ميزةً اقتصادية غير مبرَّرة. وهذه مسائل إثبات لا مسائل افتراض.
البُعد اللبناني
إنّ الرقابة المسبقة لديوان المحاسبة وُجدت تحديدًا كي يكون النصّ الذي يُلزم الجمهورية هو عينه النصّ الذي راجعته السلطة المختصّة. فإذا عُدّل عقدٌ من عقود الدولة بعد تلك المراجعة من دون أن يُعاد عرضه، فإنّ التبعات الداخلية تتجاوز التحكيم: صحّة الالتزام، وقانونية الدفعات، والمساءلة ضمن الاختصاص الخاص بديوان المحاسبة، وعند الاقتضاء، عبر المسالك القضائية والدستورية المطبّقة على الموظفين العموميين والوزراء.
ولا يجوز قانونًا افتراض المسؤولية الشخصية لجبران باسيل لمجرّد أنّه الوزير الذي وقّع العقدين. غير أنّه من المشروع، بل من الضروري، أن يحدّد القضاء: من طلب التعديل؟ ومن كتبه؟ ومن وافق عليه؟ ولماذا لم يُعَد إلى ديوان المحاسبة؟ ومن كان على علمٍ به؟
هذه الأسئلة هي لبّ القضية. فإذا ثبت أنّ عقدًا من عقود الدولة عُدّل بعد مراجعته من دون أن يمرّ مجدّدًا على السلطة المختصّة، لا يعود الملف مجرّد نزاعٍ تجاري بقيمة 100 مليون دولار أميركي، بل يصبح قضيةَ مساءلةٍ عن المال العام، وقضيةَ نزاهةِ التعاقد باسم الجمهورية اللبنانية.
#لبنان #التحكيم_الدولي #الشراء_العام #سيادة_القانون #المساءلة #التحكيم_في_باريس